ريتشارد قلب الأسد قديس أم مجرم حرب ؟

ريتشارد قلب الأسد قديس أم مجرم حرب ؟
كتب: آخر تحديث:

22810218_10155294086137669_1382151806_o

واحد من الملوك القلائل في إنجلترا، الذي غلب لقب شهرته (ريتشارد قلب الأسد) على لقب ترتيبه (ريتشارد الأول)، كما انه من أكثر ملوك أوروبا الذين أختلف عليهم المؤرخين فهل هو قديس ام طاغية شرس ؟ .. هذا ما سنحاول ان نعرفه معاً

ولد ريتشارد عام 1157، ولكونه الابن الشرعي الثالث للملك هنري الثاني ملك إنجلترا، لم يكن متوقعًا أن يعتلي العرش  وغالبًا ما كان يوصف بأنه الابن المفضل لأمه إليانور آكيتيان   , أما والده فينحدر من نسل ويليام الفاتح.  ووفقًا للأسطورة الأنجوية، فإنه تجري في عروقهم دماء شيطانية

رغم أنه ولد في أوكسفورد وتربى في إنجلترا إلى عمر الثامنة، إلا أنه من غير المعلوم إلى أي مدى استخدم أو فهم الإنجليزية. فقد كان يكتب بالفرنسية. ويقال أن ريتشارد كان جذابًا للغاية فكان يمتلك شعر بين الأحمر والأشقر، كما كانت عينيه براقة مع بشرة شاحبة , وكان طوله نحو 192 سم

 

الطول

في عمر السادسة عشرة، قاد ريتشارد جيشاً، وأخضع التمردات على عرش أبيه ملك إنجلترا ، أظهر ريتشارد قدرات سياسية وعسكرية، بدت ملحوظة وواضحة عندما قاتل النبلاء المتمردين في أراضيه وقد تُوّج أخاه الأكبر هنري ملكًا على إنجلترا بالمشاركة مع أبيه في حياة أبيه ؛ وفي عام 1170 نفذ هنري الثاني خطته بتقسيم ملكه على أبنائه عندما أحس بأن مرضه اشتد  , مع احتفاظه بسلطته الكاملة على أبنائه وأراضيهم

على الرغم من مكانته التى وضعه أبوه فيها، وجعله فى منزلة الدوق، إلا أنه لم ترق له هذه الحياة ولم يرض بغير الملك، فثار مع أخوته على أبيه ، ثم ما لبث أن تقاتل مع إخوته أيضا على الملك، وعاد مرة أخرى وقاتل أبيه فى معركة عنيفة , فحياته  كانت عبارة عن سلسلة متصلة من الحروب، إلا أن أبوه انتصر عليه بعد أن انفض أتباعه، وعفا عنه، ثم حارب الفرنسيين تحت راية أبوه، وفى تلك الحروب بدأ يشتهر بلقبه “قلب الأسد” بسبب سمعته العسكرية، وشراسته في القتال

توفى الملك هنرى وتولى ريتشارد قلب الأسد حكم إنجلترا , وقد منع ريتشارد جميع اليهود والنساء من حضور مراسم التتويج وشهد هذا العام مجازر دموية في حق اليهود حيث انتشرت شائعة بأن ريتشارد قد أمر بقتل جميع اليهود.  فقام سكان لندن بارتكاب مجزرة بحقهم.

شعر ريتشارد بأن هذه الاعتداءات قد تزعزع من استقرار مملكته قبيل رحيله للمشاركة في الحملة الصليبية الثالثة على الشرق بهدف استرجاع القدس بعد ان حررها صلاح الدين الأيوبي , لذلك أمر ريتشارد بإعدام المسؤولين عن أفظع جرائم القتل , وأصدر مرسوماً ملكياً يطالب بترك اليهود بشأنهم وعدم الاعتداء عليهم

بدأ يعد العدة للذهاب للمشرق وقد اتفق هو وفيليب أغسطس ملك فرنسا على الذهاب في الحملة الصليبية الثالثة، لأن كليهما خشى أن يغتصب الآخر أراضيه في غيابه , وبدأ في تجهيز الجيش الصليبي الجديد، فأنفق معظم ما في خزانة والده الممتلئة وزاد الضرائب حتى قال أنه “على استعداد لبيع لندن لمن يشتري”

ينقسم المؤرخون حتى اليوم حول سلوك ريتشارد الجنسي اذ يعتقد المؤرخون أن ريتشارد كان على علاقة مع فيليب الثاني ملك فرنسا , ويتحدث المؤرخ روجر الهوديني عن راهب كان قد حذّر ريتشارد من خطر اللواط وطلب منه عدم القيام بالأعمال غير المشروعة، وبناءً على ذلك كان ريتشارد قد حصل على الغفران، فعاد إلى زوجته التي هجرها زمناً طويلاً، وابتعد عن الفاحشة التي كان يقوم بها

تمكن ريتشارد وقواته من الاستيلاء على عكا، وقد اختلف ريتشارد مع ليوبولد الخامس دوق النمسا حول مشاركة إسحاق كومنينوس حاكم قبرص في الحملة الصليبية ، فغادر ليوبولد الحملة الصليبية الثالثة فورًا، ثم غادر فيليب ملك فرنسا بعد ذلك بوقت قصيربعد مزيد من النزاعات مع ريتشارد حول وضع قبرص وتملك أورشليم، فوجد ريتشارد نفسه فجأة بلا حلفاء

 

الطول

استبقى ريتشارد 2700 أسير مسلم كرهائن ضد صلاح الدين الأيوبي للوفاء بجميع شروط استسلام الأراضي حول عكا، ولكن ريتشارد خشي أن يعرقله الأسرى عن التحرك بقواته من عكا، فأمر بإعدامهم جميعًا. وبعد ذلك اتجه جنوبًا، وهزم قوات صلاح الدين الأيوبي في معركة أرسوف ‏، ونجح في الاستيلاء على يافا، وتقدم الجيش الصليبي نحو القدس حتى وصل إلى بيت نوبا على بعد 12 ميل من القدس، وكانت معنويات المسلمين في القدس منخفضة جدًا خشية سقوط المدينة ، إلا أن الطقس الذي كان سيئًا وباردًا مع أمطار غزيرة وعواصف، بالإضافة لخوفه من أن يحاصر جيشه في القدس، دفعاه للانسحاب والعودة إلى الساحل، ثم حاول التفاوض مع صلاح الدين الأيوبي، إلا أنه لم ينجح في ذلك، وفي النصف الأول من عام 1192حصّن هو وجنوده في عسقلان

تقدم الجيش الصليبي مرة أخرى نحو القدس في يونيو 1192، ورغم أن المدينة كانت على مرمى البصر، إلا أنهم اضطروا للانسحاب بسبب الخلافات بين قادة الجيش، وكان ريتشارد ومعظم قادة الجيش يريدون إجبار صلاح الدين الأيوبي على التخلي عن القدس من خلال مهاجمة قاعدة سلطانه في مصر، في حين أصر قائد القوات الفرنسية على أن الهجوم المباشر على القدس يجب أن يتم مما اضطر الجيش للانسحاب والعودة إلى الساحل , وقد علم ريتشارد بأن فيليب وشقيقه جون بدئا في التآمر ضده، لذا حاول محاولة أخيرة لتعزيز موقفه التفاوضي بمحاولة غزو مصر، لكنه فشل في النهاية

 

Saladin

نفد الوقت أمام ريتشارد، وأدرك أنه ليس بإمكانه تأجيل عودته فتوصل مع صلاح الدين الأيوبي على صلح شهير عرف بصلح الرملة ، اشتمل على هدم تحصينات عسقلان، والسماح للحجاج والتجار المسيحيين بدخول القدس، وتضمنت هدنة لمدة ثلاث سنوات وتنازل الصليبيون عن بيت المقدس ولم يتمكن ريتشارد إلا بالاحتفاظ بالمدن الساحلية للصليبيين، ثم غادر إلى بلاده , إلا أنه فى طريقه وقع فى أسر إمبراطور ألمانيا هنرى السادس ولم يطلق سراحه إلا بعد دفع فدية كبيرة قدرت بحوالي 150.000 قطعة فضية جمعتها والدته .

 

إليناور أكيتان
إليانور أكيتان والده ريتشارد واحدة من أغنى واقوى نساء أوربا

وفى سنة 1194 عاد ريتشارد إلى إنجلترا وتمكن من استعادة ملكه وقتل المتآمرين وعفا عن أخيه، ثم توجه إلى فرنسا للدفاع عن ممتلكاته فيها، واستمر خمس سنوات يقاتل بشجاعة إلى أن خرج ذات يوم بلا دروع يتجول حول محيط القلعة ويتحقق من وضع جنوده المتواجدين فوق جدران القلعة،  فأصابه سهم ضرب كتفه الأيسر بالقرب من عنقه

أٌدخل الملك خيمته.وقام الطبيب بإزالة السهم بطريقة غير احترافية مما أدى إلى تحول الجرح بشكل سريع إلى غرغرينة. ويقال أن ريتشارد طلب إحضار قاتله إليه ، وعندما وقف بين يدي ريتشارد، اتضح له أنه مجرد صبي، وزعم هذا الصبي أن ريتشارد كان قد قتل أبيه وأخويه؛ فأراد قتل ريتشارد انتقاماً لذلك

أراد ريتشارد أن يكون رحيماً وهو على وشك توديع الحياة، فسامح الصبي على فعلته وقال له : أكمل حياتك، وبفضلي سترى نور الغد.
قام ريتشارد بتوريث جميع أراضيه لأخيه جون، أما المجوهرات فورثها لابن أخته أوتو. وتوفي ريتشارد في السادس من أبريل عام 1199 في أحضان والدته، ووصفت وفاته بمصطلح الأسد الذي قٌتل من النملة وذلك يعزى إلى طريقة قتله على يد صبي صغير
, ومن الجدير بالذكر أنه توفى بعمر 41 عاماً فقط وبعد وفاته قام احد قواده بمخالفة وصيته وسلخ جلد الصبي القاتل وقام بتعليقه على القلعة

 

1200px-Church_of_Fontevraud_Abbey_Richard_I_effigy

في عام 2012، قام العلماء بتحليل ما تبقى من قلب ريتشارد واكتشفوا أنه قد تم تحنيطه باستخدام عدة مواد من ضمنها اللبان، وهي مادة ذات أهمية رمزية وذلك لأنها قُدمت عند ولادة المسيح وتحنيطه تم وفقاً للمسيحية.ومن أطرف وأغرب ما يذكر عنه أنه بعد توليه ملك إنجلترا لم يقم فيها إلا لأقل من 6 أشهر فقط! وبقية التسع سنوات والنصف التي حكمها قضاها خارج بلده فى حروب متواصلة حتى وفاته .