المعتمد بن عباد | آخر ملوك الطوائف وقصة حب “إعتماد الرميكية” الخالدة !

المعتمد بن عباد | آخر ملوك الطوائف وقصة حب “إعتماد الرميكية” الخالدة !
المعتمد بن عباد | آخر ملوك الطوائف وقصة حب “إعتماد الرميكية” الخالدة !
كتب: آخر تحديث:


مدينة باجة غرب الأندلس، هناك رأى النور لأول مرة آخر ملوك الطوائف.. لا تكاد تجد في تاريخنا الإسلامي صورة واضحة عن تبدُّل السلطان من القوة إلى الضعف، ومن العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، مثلما تجدها في قصة المعتمد ابن عباد الذى تبدل حاله من ملك على إشبيلية الى أسيراً غريبًا ، يقاسي الاعتقال والأغلال والذل .

هو أبو القاسم المعتمد على الله محمد بن عبَّاد وهو ثالث وآخر ملوك بني عبَّاد في الأندلس، حكم جده إشبيلية لفترة، ثم خلفه فيها ابنه المعتضد بن عباد، وأخيراً حفيده المعتمد ,  وقد ولد في  عام 431هجريا ً , وأراد والده المعتضد أن يدرّبه على الحكم منذ سنٍّ مبكرة، فولاَّه منذ كان عمره 12 عاماً مدينة أونبة، ثم عيَّنه قائداً لجيشٍ وأرسل لحصار مدينة شلب والاستيلاء عليها، وفي أثناء قيادة هذا الجيش تعرَّف المعتمد على الشاعر أبو بكر بن عمار، الذي أصبح منذ ذلك الحين من الرجال المقرّبين إليه، وكان له دورٌ كبيرٌ في إدارة دولته. وتوطَّدت العلاقة بسرعةٍ بين المعتمد وابن عمَّار، فما إن تولَّى حكم شلب بعد الاستيلاء عليها حتى عيَّن ابن عمَّار وزيراً له ، و منذ ذلك الحين يصحب المعتمد دائماً، فيأخذه معه في أسفاره ورحلاته.

نتيجة بحث الصور عن اعتماد الرميكية

وفي يومٍ بينما كان المعتمد يتنزَّه مع ابن عمار التقى جارية حسناء تعجَّب من موهبتها بالشعر، وفتن بجمالها، فسأل عنها، فقيل له أنها جارية لرميك بن حجاج واسمها اعتماد، فذهب إلى صاحبها واشتراها منه وتزوجها، وعُرِفَت بعد ذلك بلقب اعتماد الرميكية، وكانت أحب زوجات المعتمد إليه. وقد كان يغدق المعتمد الكثير من الأموال لإرضاء رغبات الرميكية ، ومن أشهر قصص تبذيره لأجل إرضاءها يومٌ أرادت فيه أن تسير على الطين وذلك عندما رأت جواري يبعن اللبن وقد شمرن عن سوقهن يخضن في الطين، لتخبر زوجها أنها اشتهت أن تفعل مثلهن، فأمر المعتمد بأن يسحق لها الطيب وتغطى به كل ساحة القصر، ويصبّ ماء الورد عليه، وقد عُجِنَ ذلك حتى أصبح كالطين، فسارت عليه الرميكية مع جواريها , ليس ذلك فحسب بل اشتق لقب الملك من اسمها، فكان لقبه المعتمد على الله تيمُّناً باسمها “اعتماد” .

صورة ذات صلة

وقد تسبَّبت الرميكية وابن عمَّار بانغماس المعتمد في حياة اللهو، وانتشر الكلام عن ذلك بين الناس، ممَّا أغضب والده المعتضد، فأمر بنفي ابن عمَّارٍ إلى أقصى شمال الأندلس، وبقي منفياً حتى وفاة المعتضد ، توفّي المعتضد وترك لابنه المعتمد بن عبَّاد إمارة قويَّة، فتولَّى المعتمد الحكم وعمره 30 عاماً و ما إن تولَّى المعتمد حتى استدعى ابن عمَّارٍ من منفاه، وطلب منه اختيار أيّ منصبٍ يريده في الدولة، فاختار أن يولي مدينته ومسقط رأسه شلب في غربيّ الأندلس،  وقد حزن المعتمد لأنه سيبتعد عنهومع مرور الوقت لم يتحمَّل المعتمد بُعْدَ ابن عمَّار عنه، فاستدعاه إلى إشبيلية وعيَّنه كبير وزرائه

استطاع المعتمد بن عباد أن يؤسس أعظم مملكة للطوائف، وعرفت البلاد في فترة حكم ابن عباد نهضة حضارية كبيرة خاصة في إشبيلية، فشيدت القصور العظيمة كقصر المبارك و الثريا والوحيد ، وانتشرت الحدائق و الخضرة، وقد عرف بنو عباد بصفة عامة بعلمهم وأدبهم، وكان ابن عمار هو رجل الدولة الأول لدى المعتمد حتى ازدادت ظنون وشكوك المعتمد بابن عمَّارٍ مع تماديه في إعلاء نفسه وتجاهل أوامر المعتمد ، كطلبه إطلاق سراح حاكم مرسية السابق ، فشعر المعتمد بالحزن والأسى،  وكتب إليه شعراً ساخراً يهجوه، ممَّا أغضب ابن عمار، فردَّ على ذلك بقصيدة شتم بها المعتمد وزوجته علاوة على تمرده عليه  عندما أغرى ابن عمَّار المقتدر بن هود حاكم سرقسطة بغزو حصن شقورة شمال مرسية ، فزج المعتمد به في سجن إشبيلية ،  أخذ ابن عمار يستعطف المعتمد بالقصائد والأشعار، ويرجوه ويتوسَّل إليه، فبدأ يرقُّ قلب المعتمد، وفكَّر بالصفح عنه. وقد أيقن ابن عمار قرب الإفراج عنه، وغمرته الفرحة، فكتب ذلك إلى ابنه الرشيد، وانتشر الخبر، وبدأت تسري الشائعات بأنَّه يريد التمرُّد بعد خروجه، وعند ذلك تملَّك المعتمدَ غضبٌ شديد، فجاء ثائراً ومعه فأسٌ كبير ، ورآه ابن عمَّار وفي عيونه الشَّرر ففزع وأخذ يحاول الزحف مع قيوده إلى قدمي المعتمد وأخذ يقبّلهما، لكن المعتمد انهال عليه وقتله، ثم أمر بغسله وتكفينه، ودُفِنَ في القصر المبارك , ليقتل المعتمد وزيره وصديق عمره .

غير أن المعتمد بن عباد سلك في سبيل تحقيق أطماعه وطموحاته مسلك أبيه وجده من ممالأة ألفونسو السادس ملك قشتالة على حساب إخوانه المسلمين، ولم يجد في نفسه غضاضة، وهو يقوم بدفع الجزية للملك القشتالي. وكان من ثمار هذه السياسة المتخاذلة التي اتبعها المعتمد بن عباد وغيره من ملوك الطوائف أن سقطت طليطلة بعد حصار قصيرة في سنة (478 هـ  ) في أيدي القشتاليين، وكان لسقوطها دويٌّ هائل، وحزن عميق في العالم الإسلامي، شجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية، وعدواتهم لبعضهم البعض، وأثرتهم

وأدرك المعتمد بن عباد أنه أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث؛ فكان بمقدوره نجدة طليطلة، ولكنه لم يفعل؛ فشعر بالندم على فعلته وتحالفه مع قشتالة، فطلب من ألفونسو ألا يتقدم أكثر في بلاد الأندلس وراء طليطلة، وإلا فإن العهد القائم بينهما سينتهي. إلا أنَّ ألفونسو لم يكترث ووجَّه أنظاره نحو مملكة المعتمد، لم يجد المعتمد بديل على ان يكتب إلى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين يستنجده، وإلى ملوك الأندلس يستثير عزائمهم. ولم يكن الاستنجاد بالمرابطين هيِّنًا على المعتمد بن عباد. فقد كان الرجل يعلم حقَّ العلم، أنه بهذه الخطوة يغامر بعرشه ومدينته. لكنه حزم أمره، وواجه معارضة حاشيته بصرامة،  فقال لهم جملته التي اشتهرت فيما بعد: «تالله إني لأؤثر رعي الجمال لسلطان مراكش على أن أغدو تابعاً لملك النصارى وأن أؤدي له الجزية، إنَّ رعي الجمال خيرٌ من رعي الخنازير» .

 وبالفعل قاموا بكتابة رسالة الاستغاثة، ووقَّع عليها 13 أميراً من أمراء الأندلس و نشبت سنة 479هـ  المعركة المعروفة بوقعة الزلاقة، فانهزم ألفونسو بعد أن أُبيد أكثر عساكره. وشُهِد للمعتمد فيها بالشجاعة والإقدام. ثم إن ابن تاشفين عبَر للأندلس مرة ثانية لنجدة مدن الشرق الأندلسي، ثم إن ملوك الطوائف عادوا إلى سابق عهدهم ووالـوا النَّصارى من جديد، فكان هذا العمل بمثابة الانتحار السياسي، فبعد استفتاء أبي حامد الغزالي وعددٍ من الفقهاء والعلماء الآخرين، قرَّر يوسف بن تاشفين أن يضمُّ إمارات ملوك الطوائف إلى الدولة المرابطية بالقوة , فكان العبور الثالث للمرابطين سنة 482هـ  ، حيث شرع ابن تاشفين في الإطاحة بهم واحدا تلو الآخر.

عيَّن يوسف بن تاشفينَ سير بن أبي بكر قائداً للجيوش التي ستقضي على ملوك الطوائف، وأمره بأن يطلب منهم الرحيل، فإن لم يفعلوا فليحاصرهم وليقاتلهم كانت أولى مدن المعتمد سقوطًا في أيدي المرابطين هي طريف، سقطت بعد ان سلَّمها أهلها  وقَتَلَ الفتح بن المعتمد (المعروف بالمأمون)، وهربت زوجته زائدة إلى قشتالة، وكذلك قتل ابن المعتمد الراضي في رندة، وأخيراً سقطت قرمونة ، فلم تبقَ في يد المعتمد بن عبَّاد أي مدينةٍ في الأندلس عدا إشبيلية

حوصر المعتمد في إشبيلية ، ثم اندلعت ثورة ضدَّه في إشبيلية نفسها، ورغم نصح من حوله له بالقضاء على الثورة بالقوة فقد أبى. وأصيب المعتمد باليأس، فراسل ألفونسو السادس ملك قشتالة، وطلب منه إنقاذه، وتغاضى ألفونسو عن خلافاتهما السابقة، فأرسل جيشاً كبيراً إلى قرطبة  ،  إلا أنَّ المرابطين تمكَّنوا من هزيمته بالقرب من حصن المدور , وفي النهاية سقطت إشبيلية في يوم الثلاثاء من منتصف شهر رجب عام 484هـ بعد مقاومة عنيفة وقتل أربعة من أبناء المعتمد خلال المعركة

أقتيد المعتمد وعائلته أسرى من إشبيلية، وأُخِذُوا إلى المغرب حيث قرَّر يوسف بن تاشفينَ نفيهم، فمكثوا أولاً في طنجة لفترةٍ وجيزة، و نُقِلَ المعتمد مجدداً من طنجة إلى مكناسة ليمكث شهوراً عدَّة وفي نهاية الأمر، نُقِلَ المعتمد أخيراً مع بعض ملوك الطوائف السابقين الآخرين إلى أغمات، حيث قضى آخر أيام حياته في الأسر بظروفٍ مزرية ومعاملة سيئة ،  ولعلَّه ممَّا ساهم في إساءة معاملته – على عكس أمراء بني زيري – أن ابنه عبد الجبار حاول شنَّ ثورة على المرابطين بعد سقوط إمارة بني عباد

نتيجة بحث الصور عن اعتماد الرميكية

عانى المعتمد بن عبَّاد في سنتيه الأخيرتين بالأسر من المرض والكرب بسبب ما أصابه وعادت الرميكية لحياة الفقر وصارت بناتها تغزلن وتبعن في السوق، وبعد أربع سنوات من المعاناة في الأسر و قساوة الحياة وافت المنية اعتماد الرميكة، ولم تمض شهور بعدها حتى توفي المعتمد كمدا وحزنا ً عليها , فتوفّي في أغمات عام 488هـ  عن عمر 56 عاماً، وصُلِّيت عليه في جنازته بأغمات صلاة الغريب. وقد أثار سجن المعتمد وإساءة معاملته من طرف المرابطين الكثير من انتقادات المؤرخين إلى يوسف بن تاشفين ، وجذبت إلى المعتمد تعاطف الكثير من الأدباء والشعراء ، دفن المعتمد بأغمات يجاوره ابنه و زوجته و على شاهدة قبره نقشت أبياته التي أوصى بكتابتها، جاء فيها :

قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي

حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ

بِالحِلمِ بالعِلمِ بِالنُعمى إِذِ اِتّصلَت

بِالخَصبِ إِن أَجدَبوا بالري لِلصادي

تم عمل العديد من الأعمال عن سيرة المعتمد بن عباد والأندلس وملوك الطوائف ومنه مسلسل ملوك الطوائف. ومسلسل المرابطون والأندلس